ابن عجيبة

187

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وَإِذا قُلْتُمْ في حكومة ونحوها ، فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ المقول له في شهادة أو حكومة ذا قُرْبى ؛ فيجب العدل في ذلك ، وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا أي : ما عهد إليكم من ملازمة العدل وتأدية أحكام الشرع ، أو ماعاهدتم مع عباده ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ؛ تتعظون به . وَأَنَّ هذا أي : ما تقدم في السورة كلها ، صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ؛ لأن السورة بأسرها إنما هي في إثبات التوحيد ، والنبوة ، وبيان الشريعة ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ؛ الأديان المختلفة والطرق التابعة للهوى ، فإن مقتضى الحجة واحد ، ومقتضى الهوى متعدد ؛ لاختلاف الطبائع والعادات ، ولذلك تفرقت . والمراد بالطرق : اليهودية والنصرانية وغيرهما من الأديان الباطلة ، ويدخل فيه البدع والأهواء ، وفي الحديث أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خط خطا ، ثم قال : « هذا سبيل اللّه » ، ثم خط خطوطا عن يمينه وشماله ، ثم قال : « هذه سبل ، وعلى كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليها » « 1 » . ذلِكُمْ الاتباع وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الضلال والتفرق عن الحق . وبالله التوفيق . الإشارة : قد وصى الحق - جل جلاله - على التخلص من الشرك ، جليه وخفيه ، ولا يكون إلا بتحقيق الإخلاص والتوحيد الخاص . وهو مطلب الصوفية ، وبالإحسان بالوالدين الروحانيين والبشريين ، أي : والد الأرواح - وهو الشيخ المربى - ووالد الأشباح ، ولا بد للمريد من طاعتهما ، إلّا أنه يقدم طاعة الشيخ ، كما تقدم عن الجنيد في ( سورة النساء ) . ووصى بعدم قتل الأولاد ، وهم المواهب والعلوم بإهمال القلب في الغفلة ، وعدم قرب الفواحش : الظاهرة الحسية ، والباطنية القلبية ؛ كالحسد ، والكبر ، وحب الجاه والدنيا ، وسائر العيوب . وعدم قتل النفس بالانهماك في الهوى والغفلة حتى تموت بالجهل عن المعرفة . وعدم قرب مال اليتيم ، وهو الذي ليس له شيخ ، فإن الغالب عليه عدم المسامحة ، وسيأتي عند قوله تعالى : قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ « 2 » ، إشارة لها أرق من هذه ، وعلى التوفية في الأمور كلها ؛ لأن الصوفي من أهل الصفاء والوفاء ، وعلى الصدق في الأقوال والأفعال والأحوال . وعلى الوفاء بالعهد ، وأعظمها عهد الشيوخ المربين ، وعلى اتباع طريق السلوك الموصلة للحضرة وهي ما عينه الشيوخ للمريدين ، فلا يتعدى نظرهم ولو لحظة . وبالله التوفيق . ولما ذكر ما وصى به هذه الأمة ، ذكر ما وصى به بني إسرائيل ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 154 ] ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ( 154 )

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 1 / 435 . ( 2 ) من الآية 143 من سورة الأعراف .